السيد الطباطبائي

220

تفسير الميزان

لا أثر فيها إلا ما شاء الله الذي إليه تسبيب الأسباب . وبالنظر إلى هذا المعنى أردف قوله : ( إذ أعجبتكم كثرتكم ) بقوله : ( فلم تغن عنكم شيئا ) اي اتخذتموها سببا مستقلا دون الله فأنساكم الاعتماد بالله ، وركنتم إليها فبان لكم ما في وسع هذا السبب الموهوم وهو ان لا غنى عنده حتى يغنيكم فلم يغن عنكم شيئا لا نصرا ولا شيئا آخر . وقوله : ( وضاقت عليكم الأرض بما رحبت ) اي مع ما رحبت ، وهو كناية عن إحاطة العدو بهم إحاطة لا يجدون مع ذلك مامنا من الأرض يستقرون فيه ولا كهفا يأوون إليه فيقيهم من العدو ، اي فررتم فرارا لا تلوون على شئ . فهو قريب المعنى من قوله تعالى في قصة الأحزاب : ( إذ جاءوكم من فوقكم ومن أسفل منكم وإذ زاغت الابصار وبلغت القلوب الحناجر وتظنون بالله الظنونا ) الأحزاب : 10 . وقول بعضهم : أي ضاقت عليكم الأرض فلم تجدوا موضعا تفرون إليه . غير سديد . وقوله : ( ثم وليتم مدبرين ) أي جعلتم العدو يلي أدباركم وهو كناية عن الانهزام وهذا هو الفرار من الزحف ساقهم إليه اطمئنانهم بكثرتهم والانقطاع من ربهم ، قال تعالى : ( يا أيها الذين آمنوا إذا لقيتم الذين كفروا زحفا فلا تولوهم الادبار ومن يولهم يومئذ دبره - إلى أن قال - فقد باء بغضب من الله ومأواه جهنم وبئس المصير ) الأنفال : 16 وقال أيضا : ( ولقد كانوا عاهدوا الله من قبل لا يولون الادبار وكان عهد الله مسؤولا ) الأحزاب : 15 . فهذا كله أعني ضيق الأرض عليهم بما رحبت ثم انهزامهم وفرارهم من الزحف على ما فيه من كبير الاثم ، ووقوفهم هذا الموقف الذي يستتبع العتاب من ربهم إنما ساقهم إليه اعتمادهم واطمئنانهم إلى هذه الأسباب السرابية التي لا تغنى عنهم شيئا . والله سبحانه بسعة رحمته وعظم منه أمتن عليهم بنصره وإنزال سكينته وإنزال جنود لم يروها ، وتعذيب الكافرين ، ووعد مجمل بمغفرته : وعدا ليس بالمقطوع وجوده حتى تبطل به صفة الخوف من قلوبهم ولا بالمقطوع عدمه حتى تزول صفة الرجاء من نفوسهم بل وعدا يحفظ فيهم الاعتدال والتوسط بين صفتي الخوف